كيف يُلَبِّسون على الناس ويُمَوِّهون؟! هذه الأصول إذا قرأتها تقول: هذه أصول
حق، لكن عندما تُفَسَّر تجد أنها باطل.
***
طالب: وتوحيدهم هو توحيد
الجهمية الذي مضمونه نفي الصفات، وغير ذلك، قالوا: إن الله لا يُرى، وإن القرآن
مخلوق، وإنه تعالى ليس فوق العالم، وإنه لا يقوم به عِلْمٌ، ولا قُدْرة، ولا حياة،
ولا سمع، ولا بصر، ولا كلام، ولا مشيئة، ولا صفة من الصفات.الشيخ: إذن، ويش صار التوحيد؟! تجريد الله من صفاته، هذا التوحيد
عندهم: وَحِّد الله، يعني: جَرِّدْه من صفاته؛ لأنك إذا أثبتَّ له صفة مَثَّلْتَهُ
بغيره، وحينئذٍ لم تكن موحِّدًا؛ لأن التوحيد مبناه على أمرين: على النفي والإثبات؛
لأنه من وَحَّدَ يُوَحِّد، فلا توحيد في إثبات فقط، ولا توحيد في نفي فقط؛ لأن
النفي المجرَّد تعطيل، والإثبات المجرَّد لا يمنع المشاركة، فلا توحيد إلا بنفي
وإثبات.
فإذا قلت: (لا قائم)، هذا نفي، ويش المعنى؟ إذن نفيت القيام عن كل أحد،
فهو تعطيل.
وإذا قلت: (زيد قائم)، هذا إثبات، لكن هل يمنع المشاركة؟ يمكن أيضًا
عمرو قائم، وخالد قائم، وبكر قائم.
وإذا قلت: (لا قائم إلا زيد)، صار الآن
توحيدًا، جعلت القائم واحدًا وهو زيد، ومثل (لا إله إلا الله).
هؤلاء يقولون: إن
التوحيد ألَّا تُثْبِت لله صفة أبدًا -نسأل الله العافية- لا سمع، ولا بصر، ولا
قدرة، ولا حياة، ولا علم، ولا شيء أبدًا.
***
الطالب: وأما عدلُهم فمن مضمونه
أن الله لم يشأ جميع الكائنات، ولا خَلَقَها كُلَّها، ولا هو قادر عليها كلِّها، بل
عندهم أن أفعال العباد لم يخلقْها الله لا خيرَها ولا شرَّها، ولم يُرِد إلا ما أمر
به شرعًا، وما سوى ذلك فإنه يكون بغير مشيئته، وقد وافقهم على ذلك..الشيخ: هذا العدل، يقولون: إن الله ما يشاء كل شيء، أفعال العباد
لا يشاؤها، ولا خَلَقَ كل شيء، أفعال العباد ما خلقها.
يا جماعة، اتقوا الله،
قال: نعم، لو كان الله يشاء أفعال العباد ويخلقها ثم يعذِّبهم هذا ظلم، فإذا قلنا:
لم يشأها ولم يخلقْها ويعذِّبهم لأنهم هم الذين شاؤوها وأوجدوها صار ذلك عدلًا، شوف
كيف؟!
هذا لو يمكن تجيء لعامِّيٍّ تحدثه بهذا الحديث، ويش يسوي؟ يوافق على طول،
يقول: صحيح، كيف الله يشاء أفعاله ويخلق أفعاله ثم يعذِّبه عليها! هذا ظلم.
فهم
قالوا: هذا ظلم، إذن فالله عز وجل لم يشأ أفعال العبد ولا خلقها.
ونقول لهم:
ردًّا على قولكم، هذا في الحقيقة التعطيل والتَّنَقُّص للخالق؛ أن يكون في ملكه ما
لا يشاؤه ولا يريده، أو أن يكون هناك خَلْقٌ لم يَقُم به، وليس الله هو الذي خلقه،
مع أنه يقول:
اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء [الزمر: ٦٢].
ثم نقول: إن الظلم مُنْتَفٍ لأمرين: معقول، ومنقول؛ أما المعقول: فلأن الله
تعالى أعطى الإنسان عقلًا يدرك به ويعرف به ما يضره وينفعه، أليس كذلك؟ ليس كبهيمة،
له عقل يتصرف، ولم يحجزه عن عقله أبدًا.
وأما المنقول: فقد أرسل إليه الرُّسُل،
وبَيَّن له الحق من الباطل، وأقام عليه الحجة،
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥].
الظلم الحقيقي أن نقول لك: افعل، ثم
تفعل، ثم يعاقبك، أمَّا أن يقول: لا تفعل، ثم تفعل، فيعاقبك، فهل هذا ظلم؟ أبدًا،
لو أن رجلًا قال لولده: لا تفعل، ثم فعل فعاقبه، لَعَدَّه الناس عدلًا ولَّا ظلمًا؟
عدلًا وتقويمًا لهذا الابن، فانظر إلى تلبيسهم -والعياذ بالله- ومجادلتهم، وإلى
باطلهم.
ويقولون: إن الله تعالى لا يريد إلا ما أمر به فقط، فجعلوا الإرادة
بمعنى الأمر -الأمر الشرعي- وهذا باطل، لو قلنا: لا يريد إلا ما أمر به شرعًا، لكان
أكثر الناس يعملون بغير إرادته؛ لأن تسع مئة وتسعًا وتسعين بالألف كلهم لا
يُنَفِّذُون مراد الله الشرعي، ولا شك أن هناك فرقًا بين الرضا التابع للأمر، وبين
المشيئة الشاملة لما أمر به وما لم يأمر به.
***
الطالب: وقد وافقهم على ذلك
متأخرو الشيعة كالْمُفِيد، وأبي جعفر الطوسي، وأمثالهما، ولأبي جعفر هذا تفسير على
هذه الطريقة.الشيخ: الشيخ رحمه الله عَبَّر هنا
بالشيعة، وبالأول عَبَّر بالروافض، فهم شيعة بحسب قولهم إنهم شيعة لعلي بن أبي
طالب، وهم روافض؛ لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين -رحمه الله- حين اجتمعوا إليه
وقالوا: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيرًا، وقال: هما وزيرَا جدي، مَنْ
يَعْني بجَدِّه؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، فلما قال ذلك رفضوه واعتزلوه، ومِن
ثَمَّ سُمُّوا رافضة.
والحقيقة أن أهل السنة والجماعة هم شيعة علي بن أبي طالب
-رضي الله عنه- ومن آمن من آل البيت؛ لأن المؤمن هو وَلِيٌّ لكل مؤمن، قال الله
تعالى:
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة: ٧١]، فكل من كان أكثر إيمانًا بالله عز وجل
فإنه أكثر ولاية للمؤمنين من آل البيت ولغيرهم، وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه-
بريء مما يُنْسَب إليه من هذه الأقوال الباطلة، بل إنه رضي الله عنه حرَّق
غَاليتَهم بالنار لما جاؤوا إليه وقالوا له: أنت الله -أعوذ بالله- ما صَبَر، أَمَر
بالأخاديد فَخُدَّت، وبالحطب فجُمِع، ثم ألقاهم في النار، شَرُّ قِتْلَة -والعياذ
بالله-؛ لأنهم جعلوه إلهًا، والذين لا يجعلونه إلهًا باللفظ قد يجعلونه إلهًا
بالمعنى، ويعتقدون أنه مدبِّر للكون، وأنه ما من ذرة في الأرض ولا في السماء إلا
والذي يديرها علي بن أبي طالب قطب الأقطاب.
وعلى كل حال فنحن نقول: نُشْهِد الله
عز وجل على محبة المؤمنين من آل البيت، ونرى أن المؤمن من آل البيت له حَقَّان
علينا؛ الحق الأول: إيمانه، والثاني: قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونرى
أنهم ما شَرُفوا إلا لقربهم من الرسول عليه الصلاة والسلام، وليس الرسول هو الذي
شَرُف بهم؛ بل هم شَرُفوا بقربه، ونرى أيضًا أنهم مراتب ومنازل، وأنهم وإن
تَمَيَّزوا بهذه الخصيصة وهي القرب من الرسول عليه الصلاة والسلام، فلا يعني ذلك:
أن لهم الفضل المطلق على من فَضَلَهم في العلم والإيمان؛ فأبو بكر وعمر وعثمان رضي
الله عنهم هؤلاء أفضل من علي بن أبي طالب الفضل المطلَق، وإن كان علي بن أبي طالب
يمتاز عنهم في بعض الخصوصيات، لكن هذا لا يلزم منه التفضيل المطلق؛ لأن هناك فرقًا
بين الإطلاق وبين التقييد.
طالب: يا شيخ، فِعْل علي بن
أبي طالب، هل هو مصيب في القتل؟
الشيخ: هو -رضي الله
عنه- رأى أن هذا أعظم عقوبة، مثلما فعل أبو بكر رضي الله عنه في الأمر بتحريق
اللُّوطِيِّ، وإن كان الإنسان قد يَخْفى عليه بعض الشيء أحيانًا، ولهذا ابن عباس
قال: لو أنه في مقام علي بن أبي طالب لقتلهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ، وما
أحرقتهم بالنار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم
نهى أن يُعَذَّب
بالنار ، فقيل: إنه قال: ما أسقط
ابن أم الفضل على الهَنَاتِ! يعني: على العيب والخطأ.
***
الطالب: ولأبي جعفر هذا تفسير
على هذه الطريقة، لكن يضم إلى ذلك قول الإمامية الإثني عَشَرِيَّة؛ فإن المعتزلة
ليس فيهم من يقول بذلك، ولا من يُنْكِر خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
ومن
أصول المعتزلة مع الخوارج إنفاذُ الوعيد في الآخرة، وأن الله لا يقبل في أهل
الكبائر شفاعة، ولا يُخْرِج منهم أحدًا من النار، ولا ريب أنه قد ردَّ عليهم طوائفُ
من المرجئة والكَرَّامية والكُلَّابِيَّة وأتباعهم، فأحسنوا تارة، وأساؤوا أخرى،
حتى صاروا في طَرَفَيْ نقيض، كما قد بُسِطَ في غير هذا الموضع.الشيخ: وهذا يكون أحيانًا؛ يرد بعض الناس على بعض البدع، ولكن
يكون في طَرَفَيْ نقيض مع الآخرين، يأتي ببدعة هو، مثل ما ذهب إليه بعض الناس من
أنه ينبغي في عاشوراء التوسعة على الأهل وإدخال الفرح والسرور؛ ليقابلوا بذلك
الرافضة الذين يجعلون يوم عاشوراء يوم غَمٍّ وحُزْن، وهذا خطأ؛ لأن البدعة لا يجوز
أن تقابَل ببدعة، بل يكفي في البدعة منعها، أن تقول: هذا غير مشروع، وكل بدعة
ضلالة، وأما أن تُحْدِث شيئًا يقابلها فلا يمكن هذا، لا ينفع، لا يُذْهِب البدعة
إلا السُّنَّة فقط، الله المستعان.
***
الطالب: قال المؤلف رحمه الله
تعالى:
والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيًا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس
لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين؛ لا في رأيهم، ولا
في تفسيرهم، وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبُطْلَانه يظهر من وجوه كثيرة،
وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم، وتارة من العلم بفساد ما فَسَّروا به
القرآن؛ إما دليلًا على قولهم، أو جوابًا عن المعارِض لهم.
ومن هؤلاء مَن يكون
حَسَنَ العبارة فصيحًا، ويدُس البدع في كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون؛ كصاحب الكشاف
ونحوه، حتى إنه يَرُوج على خلق كثير ممن لا يعتقد الباطل من تفاسيرهم الباطلة ما
شاء الله.
وقد رأيت من العلماء المفسِّرين وغيرهم مَنْ يذكر في كتابه وكلامه مِن
تفسيرهم ما يوافق أصولَهم التي يَعْلَم أو يعتقد فسادها، ولا يهتدي
لذلك.الشيخ: ذلك لأنهم كانوا أقوياء في الأساليب،
فتجد ظاهر كلامهم أنه جيد وليس فيه شيء، لكنهم يَدُسُّون فيه السم، فهؤلاء الذين
ينقلون من تفاسيرهم ما ينقلون وهم يعلمون فساد قولهم، معناه أنهم اغْتَرُّوا
بأساليبهم وألفاظهم، ولم يهتدوا إلى ما كانوا عليه من الباطل، وقد سبق لنا أن سبب
ذلك أنهم كانوا يعتقدون رأيًا، ثم يستدلون لرأيهم، أو يستدلون بنصوص الكتاب والسنة
على ما لا تدل عليه.
***
الطالب: ثُمَّ إنه بسبب تطرُّفِ
هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية، ثم الفلاسفة، ثم القرامطةُ، وغيرهم، فيما هو
أبلغ من ذلك، وتفاقَم الأمر في الفلاسفة والقرامطة والرافضة؛ فإنهم فسَّروا القرآن
بأنواع لا يَقْضِي منها العالِمُ عجبَه؛ فتفسير الرافضة كقولهم: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [المسد: ١] هما أبو
بكر وعمر، لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ..الشيخ: يعني: يجعلون أبا بكر
وعمر هما اليدان، يدان لأبي لهب -نسأل الله العافية- وهذا مما يدل على أن الرافضة
في الحقيقة عندهم من الغِلِّ والحقد على الصحابة رضي الله عنهم، بل وعلى دين
الإسلام، ما يَتَسَتَّرون بظاهر حالهم من أنهم مسلمون، وأنهم أهل الإسلام، وهم
-والعياذ بالله- في باطن أمرهم من أشد الناس عداوةً وبُغْضًا لأصحاب الرسول عليه
الصلاة والسلام، فرجل يقول: إنه مؤمن وإنه مسلم، ثم يقول: إن هذه الآية نزلت في أبي
بكر وعمر، أشرف الأمة على الإطلاق أبو بكر وعمر، فإذا كان مثل هذه الآيات تُنَزَّل
عليهما فما بقي للمسلمين شأن بعد ذلك.
طالب: شيخ، ما
معنى قول بعض العلماء: إن الرافضة مُسْتَثْنَون من الفرق الإحدى والسبعين والاثنين
والسبعين؟
الشيخ: يعني: ليسوا من الفرق.
الطالب: لماذا؟
الشيخ: يرونهم خارجين
عن الإسلام، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول:
«سَتَفْتَرِقُ
هَذِهِ الْأُمَّةُ» ،
فهم يكونون خارجين عن هذه الأمة.
الطالب: يعني ليسوا من
أمة محمد.
الشيخ: إي نعم، أي إنسان يقول: الصحابة كلهم
ارتدوا إلا قليلًا، والذي يقول: أبو بكر وعمر ماتَا على النفاق، وأنهما خالدان
مُخَلَّدان في نار جهنم، هل هذا إلا تكذيب لله ولرسوله؟!
ما بعد هذا الكفر كفر،
ولهذا يقول شيخ الإسلام: إن قائل هذا القول لا شك في كفره، بل لا شك في كُفْرِ مَنْ
شَكَّ في كفره. حتى اللي يشك أنه كافر هو كافر.
***
الطالب: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥]، أي: بين أبي بكر وعمر وعلي في الخلافة.الشيخ: والمراد:
لَئِنْ أَشْرَكْتَبمن؟ بالله في عبادته،
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥]، هم يقولون: لا، لئن أَشْرَكت بين هؤلاء الثلاثة بالخلافة، يعني معناه: لئن
جعلتهم خلفاء فإن عملك يَبْطُل، وعلى هذا فقد حَرَّفُوا القرآن أعظم تحريف، والعياذ
بالله.
***
الطالب: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة: هي عائشة.الشيخ: قاتلهم الله،
الذي يقول هذا موسى لقومه، ومع ذلك قالوا: إن المراد عائشة، أمرنا الله تعالى أن
نذبحها -قاتلكم الله- يعني: أنا عندي أي إنسان يشوف مثل هذه التفاسير، ما يشك في
كفرهم -والعياذ بالله- ولا يشك حتى ما عندهم ولا حياء، كيف لا يستحيون من عباد
الله؟
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة: ٦٧]، وين عائشة من موسى
حتى يُنَزَّل كلام رب العالمين على هذه المعاني؟
طالب:
يا شيخ، هؤلاء الرافضة المتأخِّرون ولَّا المتقدِّمون؟
الشيخ: المتأخِّرون يأخذون من المتقدمين ويجادلون عنهم.
الطالب: ما رأيكم في قول من يقول: إن الرافضة المتقدِّمة يرون
إمامة أبي بكر وعمر؟
الشيخ: ليس هذا بصحيح، وأنا رأيت
أمرًا عجبًا منهم، لكن ما هم كلهم يقول: أبو بكر كافر، وعمر كافر، وعثمان كافر،
وعلي كافر، الثلاثة الأوَّلون قالوا: كفرة؛ لأنهم ظلمة، والرابع عَلِيٌّ؛ لأنه لم
يدافع عن الحق واستسلم للباطل، فكفر برضاه بالباطل.
طالب: اللي يُقَدِّم عَليًّا على أبي بكر وعمر، يكفُر؟
الشيخ: ويش يفيد؟
الطالب: الرافضة
-ما هم الغلاة- بعضهم يقول: إن عليًّا أفضل من أبي بكر وعمر، يَكْفُر؟
الشيخ: أما التفضيل المطلَق فكَذِب ليس بصواب، وأما تفضيله في
بعض الأحيان في بعض الأمور؛ لقرابته من الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا حق، قد
يفضلهما في شيء من الأشياء.
الطالب: فهل نحكم عليه
بالكفر؟
الشيخ: أما على الإطلاق، الله أعلم، ما أتوقف
في هذا، لكن لا تجد قومًا يقولون: إن عليًّا أفضل من أبي بكر وعمر، إلا وقلوبهم
تنطوي على أنه أفضل حتى من الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن ما يقدرون يصرِّحون.
الطالب: هذا رد للنصوص.
الشيخ: إي، ما فيه شك، لكن قد يكون أفضل منه في قرابته من الرسول
عليه الصلاة والسلام.
***
الطالب: فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ [التوبة: ١٢]:
طلحة والزبير.الشيخ: هذا يستقيم؟
وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ [التوبة: ١٢] هذا في المعاهَدين
اللي عاهدهم الرسول عليه الصلاة والسلام، والحكم ينسحب على غيرهم بالقياس، إنما
الآية ما هي ما أراد هؤلاء المحرِّفون -والعياذ بالله-، لكن هم لا يبالون، ولا
يستحيون، لا من الله، ولا من عباد الله، ولا من أحد.
***
الطالب: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ [الرحمن: ١٩]: عَلِيٌّ وفاطمة، اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن: ٢٢]: الحسن والحسين.الشيخ: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِيَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ، إذا كان بينهما برزخ لا يبغيان، أيش لونه؟ هو علي مع فاطمة
بينه وبينها برزخ؟! لكن هذا سخافة، مثلما قال الشيخ رحمه الله: (
يقضي العالِم
منها العجب)، من سوء الفهم، وسوء القصد، يعني: جامعة بين أمرين؛ بين سوء الفهم،
وبين سوء القصد، تفاسيرهم هذه.
ما المراد بالبحرين؟ قال العلماء: معناه المراد
بهما المالح والعذب، والبرزخ الذي بينهما، قيل: إنه ما يُرى عند مَصَبِّ النهر في
البحر، فإن النهر يأتي مندفعًا بقوة، ويصد أمامه شيء طويل ما يمتزج بالبحر عند
المصب.
وقال بعض أهل العلم: إن المراد بالبرزخ الذي بينهما هو اليابس من الأرض،
وأن هذا من قُدْرَة الله عز وجل؛ لأن الأرض كروية، وكيف أن الله عز وجل أمسك هذا
البحر فيها حتى لا يبغي؟! لا يبغي بمعنى: يطغى على اليابس.
وقال بعضهم: إن هذا
البرزخ برزخ دقيق بين البحار؛ بين البحر المحيط والبحار الأخرى اللي تعتبر كالخلجان
بالنسبة له، أن بينها برزخًا، ويقولون: إنه يُحَسُّ به بالأسماك التي تعيش في هذا
ما تعيش في الثاني، أو بالعكس، وهذا يدل على أنها متنوعة، على الرغم من أنها
متلاصقة فبينهما برزخ.
فهذه ثلاثة أقاويل في معنى هذا، ولم يقل أحد من أهل العلم
-لا السابقون ولا اللاحقون- لم يقل: إن المراد به فاطمة وعلي بن أبي طالب، لكن هذه
من خرافات الرافضة، والعياذ بالله.
***
الطالب: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس: ١٢]: في علي بن أبي طالب.الشيخ: أين هذا من اللفظ؟!
كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍأي: في كتاب يأتَمُّ به الإنسان ويأخذ
به، ويرى ويشاهد عمله، أين هذا من عَلِيِّ بن أبي طالب؟ لا شيء، لكن هم يقولون:
عَلِيٌّ إمام، ومبين فصيح مُظْهِر للحق، فكل شيء أحصاه الله في هذا الرجل، كلُّ شيء
أحصيناه كائن في إمام مبين.
وهذا واضح أنهم يَدَّعُون أن عليَّ بن أبي طالب يعلم
الغيب؛ لأنهم يقولون: كل شيء أحصيناه، أين مكانه؟ في هذا الإمام، كائن في هذا
الإمام، فعلى هذا يعتقدون أن عند علي بن أبي طالب مِنْ علم الغيب والشهادة ما عند
الله، فكلُّ ما أحصاه الله من الأمور فإنه كائن في هذا الإمام؛ في علي بن أبي طالب.
طالب: قلت: إنهم يُكَفِّرون عليًّا؛ كيف يقرُّون
بهذا؟
الشيخ: ما هم بهؤلاء، قلت: طائفة منهم، لكن هؤلاء
ما يُكَفِّرُونه.
طالب: يا شيخ، الآية:
وَكُلَّ شَيْءٍ؟
الشيخ: يمكن
يحرِّفونه، أو يقولون: كل شيء أحصيناه جملة مستقلة، و
فِي إِمَامٍ مُبِينٍجملة أخرى.
***
الطالب: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ [النبأ: ١، ٢]: علي بن أبي طالب.الشيخ: أعوذ بالله،
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَيقولون:
هذا علي بن أبي طالب؛ لأن الناس مختلفون فيه؛ ما بين مادح وقادح، ومُحِب ومُبْغِض،
ولكن هل علي نَبَأٌ ولَّا مُنْبَأٌ به؟
ثم هذا الخلاف
الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَكائن ولَّا سيكون؟ كائن،
الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَما قال: الذي هم فيه
يختلفون أو سيختلفون، وعلي بن أبي طالب حين نزول الآية ما اختلف الناس فيه.
***
الطالب: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة: ٥٥]: هو عَلِيٌّ، ويذكرون الحديث الموضوع بإجماع أهل
العلم، وهو تَصَدُّقه بخاتَمِه في الصلاة .
الشيخ: وهل هذا صحيح؟ أبدًا ما هو بصحيح،
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، كل مؤمن فإنه وَلِيٌّ لله ورسوله،
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢٥٧]، والرسول عليه الصلاة والسلام
يقول:
«أَنَا وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ» ، و
«أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ» ،
فهذه الولاية الحقيقية.
ولا ريب أن عليَّ بن أبي طالب له حَظٌّ من هذه الآية
كغيره من المؤمنين، وأنه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويركع ويسجد -رضي الله
عنه-، لكن ما يمكن أن نقول: إن هذا خاصٌّ به لا يتناول غيره، فعليٌّ رضي الله عنه
يدخل في الآية، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وابن عباس، وخالد بن الوليد،
وغيرهم من الصحابة، كلهم داخلون في هذه الآية.
الزبير بن العوام قال الرسول عليه
الصلاة والسلام:
«إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَإِنَّ
حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ» ، ومع
ذلك هم يقولون: إن الزبير من أئمة الكفر، لاحظوا -والعياذ بالله-، فإذا كان الزبير
من أئمة الكفر وهو حواري الرسول صلى الله عليه وسلم، ويش يلزم من الرسول؟ يكون
أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الخاصُّون به هم أئمة الكفر؟ وما ظنك برجل يكون
أصحابه الخاصُّون به أئمة الكفر؟ يكون مِثْلَهم؛ إما بطريق اللزوم، وإما بطريق
الاصطحاب؛ ولهذا جاء في الحديث، وإن كان فيه نظر:
«الْمَرْءُ
عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» .
طالب: شيخ، ما هو الحواري؟
الشيخ:
الحواري الأصحاب الخاصُّون.
الطالب: مِن
المحاورة؟
الشيخ: لا، من الخصوصية.
***
الطالب: وكذلك قوله: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة: ١٥٧]: نزلت في علي لَمَّا أصيب بحمزة.الشيخ: يا سبحان الله العظيم! أيهما أعظم مصابًا؛ الرسول صلى
الله عليه وسلم ولَّا علي بحمزة؟
الطلبة: الرسول صلى
الله عليه وسلم.
الشيخ: إي، لكنهم يقولون: إن عليًّا
هو الذي أصيب بحمزة، وهو الذي له هذه الآية، فيكون من كذبهم وافترائهم يكون علي بن
أبي طالب أشد حزنًا على فَقْد مثل حمزة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذبوا
واللهِ في ذلك، المصاب به أعظم من أصيب به بلا شك هو الرسول عليه الصلاة والسلام،
إي نعم.
طالب: يا شيخ، ما أدري لأنهم يقدمون عليًّا على
النبي بسبب غير واضح يعني؟
الشيخ: إي نعم، هم كذلك، هم
باطن أمرهم بالحقيقة الكفر، ما فيه إشكال، وليس يجعلون علي بن أبي طالب أفضل من
الرسول فقط، يجعلون علي بن أبي طالب إلهًا،
كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍمعناه أنهم ساوَوْا علي بن أبي طالب
بالله.
***
الطالب: ومما يقارِب هذا من بعض
الوجوه ما يذكره كثير من المفسِّرين في مثل قوله: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [آل عمران: ١٧]: إن
الصَّابِرِينَرسول الله، وَالصَّادِقِينَأبو بكر، وَالْقَانِتِينَعمر، وَالْمُنْفِقِينَعثمان، وَالْمُسْتَغْفِرِينَعلي.الشيخ: هذا جهل أيضًا؛ لأن هذه الأوصاف يصح أن تنطبق على موصوف
واحد، أما نوزِّعها فهذا غير صحيح، وأيضًا:
الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَالذي يظهر أن القانت أفضل منهم، كيف يكون
الرسول في مرتبة الصبر، وهذا مرتبة الصدق، وهذا مرتبة القنوت؟! الرسول عليه الصلاة
والسلام هو أفضل من اتصف بهذه الصفات، فهو أصبر الصابرين، وأصدق الصادقين من الخلق،
وكذلك أفضل القانتين، وهو أجود الْمُنْفِقين، حتى إنه يعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر،
ويبيت طاويًا عليه الصلاة والسلام، وأما استغفاره فناهيك به؛ كان يستغفر الله ويتوب
إليه في اليوم مئة مرة، وكان يقوم الليل حتى تتورَّم قدماه، ويقول:
«أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» .
***
الطالب: وفي مثل قوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الفتح: ٢٩]: أبو بكر، أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار: عمر، رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ: عثمان، تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا: علي.الشيخ: هذا من التوزيع، لكن
هذا ما هو بتفسير الرافضة، لكنه تفسير قاصر بلا شك، يقول:
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ؛ لأن أبا بكر
معه في الغار،
إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠]، وعمر
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ؛ لأن أشد الناس في دين الله عمر، عثمان مشهور بالرحمة واللين
والعطف، و
رُكَّعًا سُجَّدًا، علي بن أبي طالب رضي الله
عنه من الراكعين الساجدين، لكن عثمان أيضًا شُهِرَ عنه أنه كان يقوم الليل، وأنه
كثير القيام.
والمهم أن هذا خطأ، وأن قوله:
وَالَّذِينَ مَعَهيشمل كل الصحابة، وقوله:
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًاينطبق على
الجميع.
طالب: يا شيخ، ما هو الآية موافقة للروافض؟ من
قال بالآية اللي قبلها
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ، قال: هو
علي، وهنا
تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًاقال:
علي؟
الشيخ: لا، ما هي موافَقة، الروافض ما يفسِّرون
يقولون:
الَّذِينَ مَعَهأبو بكر، أبو بكر بعيد
منه.
الطالب: (...)
رُكَّعًا؟
الشيخ: لا، ما هي
بالرافضة.
***
الطالب: وأعجب من ذلك قول
بعضهم: وَالتِّينِ: أبو بكر، وَالزَّيْتُونِ: عمر، وَطُورِ سِينِينَ: عثمان، وهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ: علي.الشيخ: واللهِ عجائب، صحيح مثلما قال الشيخ: (
التِّينِ: أبو بكر)، -هذا فُسِّر، يعني هذا
كتاب تفسير يا جماعة، الشيخ ينقل عن تفسير- (
الزَّيْتُونِ: عمر)، والثالث (
طُورِ سِينِينَ: عثمان، وهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ: علي بن أبي
طالب)، سماهم كلهم بمأكول ومَسْكُون، نسأل الله العافية.
طالب: على أي أساس نلزمهم؟
الشيخ:
الظاهر لا يتعلق، لعله لَمَّا قُدِّم التين وكان أبو بكر رضي الله عنه مقدَّمًا بدأ
به، قال: ما دام أبو بكر أفضلهم، والله بدأ بالتين، ثم بالزيتون، على حسب ترتيبهم
في الخلافة والأفضلية.
طالب: يا شيخ،
وَطُورِ سِينِينَإشمعنى قال عنها: عمر؟
الشيخ: هذا عثمان، هو قال: هذه أربع كلمات، وهؤلاء أربعة، وهم
مرتَّبون هكذا؛ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.
يمكن يجيء
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس: ١] يقول: هذا الرسول،
وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا [الشمس: ٢]: أبو بكر،
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا [الشمس: ٣]: عمر،
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس: ٤] يجيء بعده رافضي
يقول: هذا عثمان، ليل مظلم،
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس: ٧] هذا علي، يمكن، مخرِّفين دُولَا -والعياذ بالله- هو رأى أن هذه الكلمات
مُرَتَّبة وقال: نخلي على هؤلاء الأربعة؛ لأنهم مرتَّبون، ما فيه مناسبة أبدًا.
***
الطالب: وأمثال هذه الخرافات
التي تتضمن تارة تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال، فإن هذه الألفاظ لا تدل على
هؤلاء الأشخاص بحال، وقوله: وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا، كل ذلك نَعْتٌ لـالَّذِينَ مَعَهُ، وهي التي يسميها النحاة: خبرًا بعد خبر، والمقصود هنا أنها كلها
صفاتٌ لموصوف واحد، وهم الذين معه، ولا يجوز أن يكون كل منها مرادًا به شخص واحد،
وتتضمن تارة جعلَ اللفظ المطلَق العامَّ مُنْحَصِرًا في شخص واحد، كقولهم: إن قوله
تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ [المائدة: ٥٥] أريد بها عليٌّ وحده، وقولِ
بعضهم: إن قوله: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر: ٣٣] أريد بها أبو بكر وحده.الشيخ: هذه قال بها بعض المفسرين، قالوا:
وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِهذه نزلت في أبي
بكر، ولكن سبق لنا أن قولهم: نزلت في كذا، يعني أنه داخل في معناها، فيكون تفسيرًا،
وعلى هذا فمن قال: إنها نزلت في أبي بكر، يعني معناه أن أبا بكر رضي الله عنه يدخل
في هذا الوصف،
وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ.
ولا شك أن أول من يدخل فيها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فإنه
جاء بالصدق وصدَّق به، شهد لنفسه عليه الصلاة والسلام أنه رسول حقًّا، وأنه عليه
الصلاة والسلام مرسَلٌ إلى جميع الناس، وأُمِر أن يقول ذلك،
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، فكان جاء بالصدق وصدَّق به أيضًا.
***
الطالب: وقوله: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد١٠] أريد بها أبو بكر وحده، ونحو ذلك، وتفسير
ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة.. الشيخ: والذي قال:
أريد بها أبو بكر مثلًا، نقول: إن أرادها على سبيل الحصر فخطأ، وإن أرادها على سبيل
المثال فصحيح، لنا أن نقول: نزلت في أبي بكر، يعني: وفي أمثاله، ولكن إن أريد الحصر
فهذا لا يجوز، وهذه قاعدة في التفسير؛ أنه لا يجوز أن يُخَصَّص العام ويُحْصَر
معناه إلا بدليل.
فإن جاء الدليل، مثل قوله:
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ،
إِنَّ النَّاسَالمراد بهم: أبو سفيان،
قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، كما قيل، وإلا فإن
الواجب إبقاء العام على عمومه؛ لأن حصره في واحد من أفراده قصور في التفسير.
وكما نعلم جميعًا أن المفسِّر يجب أن يكون مطابِقًا للمفسَّر، أما أن يخصَّص
هذا لا يجوز، كما أنه لا يجوز أن يعمَّم أيضًا، فإذا جاء نص في شيء خاص لم يَجُزْ
أن نجعله عامًّا، اللهم إلا عن طريق القياس، إن كان مما يمكن فيه القياس.
***
الطالب: وتفسير ابن عطية
وأمثاله أَتْبَعُ للسنة والجماعة، وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري، ولو ذكر كلام
السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل، فإنه كثيرًا ما
ينقل من تفسير محمد بن جرير الطبري، وهو من أَجَلِّ التفاسير المأثورة وأعظمها
قدرًا.
ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف لا يحكيه بحالٍ، ويذكر ما يزعم أنه
قول المحقِّقين، وإنما يعني بهم طائفةً من أهل الكلام الذين قرَّرُوا أصولَهم بطرق
من جنس ما قررتْ به المعتزلةُ أصولَهم، وإن كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة، لكن
ينبغي أن يُعْطَى كل ذي حق حقه، ويُعْرَف أن هذا من جملة التفسير على
المذهب.الشيخ: هذا من كلام الشيخ -رحمه الله- يدل
على أن الرجل مُنْصِفٌ وعادل، وأن الحق إذا كان من أهل البدع يجب أن يُقْبَل، وأن
أهل البدع إذا كان بعضهم أقرب إلى السنة من بعض يجب أن يُثْنَى عليهم بهذا القرب،
وأما أن نَرُد ما قاله أهل البدع جملةً وتفصيلًا، حتى ما قالوه من الصواب، ونقول:
هذا قاله صاحب بدعة، فهذا خطأ؛ لأن الواجب أن يقول الإنسان الحق أينما كان، ولا
ينظر إلى قائله؛ ولهذا قال: يجب أن يعرف الرجالُ بالحق، لا الحق بالرجال، أنت إذا
عرفت الحق بالرجال معناه أنك مُقَلِّد محض، لكن إذا عرفت الرجال بالحق، وأنه إذا
كان ما يقولونه حقًّا، فهم رجال حقًّا، فهذا هو العدل.
فالشيخ -رحمه الله- يقول:
يجب أن يُعْطَى كل ذي حق حقه، حتى لو كان من أهل البدع، وكان قريبًا من أهل السنة،
فإننا نعطيه حقه، ونقول: هذا المبتدع أقرب إلى السنة من هذا المبتدع.
***
الطالب: فإن الصحابة والتابعين
والأئمة إذا كان لهم في تفسير الآية قول، وجاء قوم فسَّرُوا الآية بقول آخر؛ لأجل
مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان، صاروا
مشارِكين للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا.
وفي الجملة: مَنْ عَدَلَ عن
مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطِئًا في ذلك، بل
مبتدِعًا، وإن كان مجتهدًا مغفورًا له خطؤه.
فالمقصود بيان طرق العلم وأدلَّته
وطرق الصواب..الشيخ: انتبهوا إلى هذه مسألة مهمة:
(
من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئًا في
هذا، بل مبتدعًا، وإن كان مجتهدًا مغفورًا له خطؤه)، يعني: فنحن نصفه بأنه
مخطئ، وبأنه مبتدع؛ لأن كل قول في دين الله لم يأتِ في كتاب الله، ولا سنة رسوله،
ولا في قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فهو قول مبتدع؛ لأنه محدَث، وقد قال
الرسول عليه الصلاة والسلام:
«كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ،
وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» .
فهذه
قاعدة مهمة، سواء كان ذلك في التفسير، أو في الأحكام الشرعية، أو في الأمور العلمية
العَقَدِيَّة، فكل شيء مخالِف لما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان فإنه قول
مبتدَع، وصاحبه مخطئ.
ولكن هل يأثم هذا القائل؟ يُنْظَر؛ إذا كان مجتهدًا
باذِلًا وسعه في طلب الحق، ولكن لم يصل إليه، فهو مغفور له، ولهذا قال الشيخ رحمه
الله: (
وإن كان مجتهدًا مغفورًا له خطؤه).
فلنا الآن نظران: نظر إلى
القول أو التفسير، ونظر إلى القائل أو المفسِّر، فالقول أو التفسير المخالِف لما
كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان هذا قول مبتدَع باطل، وأما بالنسبة للقائل
فيُنْظَر؛ فإن كان قد بذل الجهد، وسعى قدر ما يستطيع إلى الوصول إلى الحق، ولكن لم
يتبين له إلا ما قال، فإنه يُغْفَر له خطؤه؛ لأن الله يقول:
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]، فيُعْذَر بهذا
الخطأ.
وهذه القاعدة تكاد تكون مُجْمَعًا عليها، وإن كان العلماء يختلفون في
تفصيلها أحيانًا، لكن هي قاعدة أصيلة وأصل.
طالب: قلنا:
إذا كان مجتهدًا يكون مغفورًا له، وأيضًا يسمى مبتدِع مع القول: إنه
مجتهد؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا القول ما هو معروف عند
الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
الطالب: مدعيًا بالقول،
لكن نرى هذا الرجل يسمى مبتدعًا؟
الشيخ: نعم، نقول: هو
مبتدِع في قوله هذا، ولا نعطيه الوصف المطلَق، نقول: هو مبتدع في قوله هذا، إي
نعم.
طالب: يا شيخ، مَرَّ معنا في المقدمة أن المؤلف
-رحمه الله- قال: إنه وضع كتابه قواعد أساسية يحتاج لها كل مفسِّر (...)؟
الشيخ: صحيح، هو شيخ الإسلام رحمه الله كالبحر أو كالنهر، إذا
سَبَحْتَ فيه تغاص إلى آذانك، هو يستطرد، يعني كتبه -رحمه الله- أحيانًا تكون
استطرادية، ثم ما يجد الإنسان اللي كان يتوقعه، ولكنه -رحمه الله- يذكر هذه الأصول
أحيانًا، كما تشاهدون نجد فيه أصلًا من الأصول، وهذا اللي أشرت إليه في الأول، قلت
لكم: إذا جاءنا أصل من الأصول، أو قاعدة من القواعد، احرصوا على تقييدها، يكون
الإنسان عنده دفتر مثلًا خاص في هذا الدرس، يقول: من القواعد التي في مقدمة التفسير
كذا وكذا، ومَرَّ علينا عدة قواعد الآن، إن شاء الله تعالى يمكن بعد أن ننتهي من
الكتاب نرجع إليها ونشوف ويش القواعد اللي مرت علينا.
طالب: شيخ، هذه القاعدة التي أشرتم إليها، الآن طبعًا فيه هناك
تفاسير علمية تنظر للمكتشفات الحديثة، فعندما يكون هناك تفسير، أو آية مثلًا، ليس
هناك طبعًا دليل شرعي عليها، بمعنى حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما فيها
أقوال للصحابة أو أقوال للسلف، وقد يكون أيضًا بينهم هناك أكثر من قول، ويأتي
مفسِّر فيستند في التفسير إلى جانب اللغة العربية، يعني كونه موجودًا في اللغة
العربية، المكتشفات الحديثة، هل يدخل في هذه القاعدة يقال عنه: مبتدع؟
الشيخ: هو إذا صَحَّت دلالة القرآن عليه فليس بمبتدِع.
الطالب: ولو كان يخالف مثلًا قول لأحد؟
الشيخ: لا، ما يخالف، إذا خالف معلوم أننا نقول: مبتدع، ونرده
عليه، لكن غالب ما تكون من هذه المكتشفات مسكوت عنه بالنسبة لمن سبق؛ لأنهم لم
يطَّلِعوا عليها، لكن قد يكون القرآن دلنا عليها بعمومه، أما أن يدل عليها بخصوصها
فهذا بعيد، لو دل عليها بخصوصها لكان الصحابة يدرون عنه وفسَّرُوه بها.
فهذه
الاكتشافات العلمية إذا صح أنه داخل في الآية، أما إذا لم يصح -كما مَثَّلْنَا
بالبارحة- فهذا يجب أن يُرَدّ على قائله.
طالب: مَن
فَسَّر الفتنة بالغزو الفكري، هل هو ضال ولَّا؟
الشيخ:
لا، صحيح، كما أخبر بها الرسول:
«فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ
الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي
مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا» .
***
الطالب: فالمقصود بيان طرق
العلم وأدلته وطرق الصواب.
ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون
وتابِعُوهم، وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله
به رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن خالف قولَهم وفسَّر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد
اخطأ في الدليل والمدلول جميعًا، ومعلوم أن كل من خالف قولهم له شبهة
يذكرها..الشيخ: أخطأ في الدليل؛ لأنه فَسَّرَه
بغير المراد به، وأخطأ في المدلول حيث أتى بمعنًى مخالِف لما كان عليه السلف.
***
الطالب: ومعلوم أن كل من خالف
قولهم له شبهة يذكرها؛ إما عقلية، وإما سمعية، كما هو مبسوط في موضعه.الشيخ: صحيح، ما قاله الشيخ -رحمه الله- له أصل في القرآن؛ أن
المخالِفين لذلك لهم شُبَهٌ، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله:
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧]؛
لأن الْمُبْطِل لو أتى بشيء لا شبهة فيه لم يُقْبَل منه، أليس كذلك؟ فهو يأتي بأمور
فيها اشتباه، لكنه -والعياذ بالله- زائغ لا يحمل هذا المتشبِه على المحكَم حتى يكون
بَيِّنًا، وإنما يجعل الشيء كله مشتَبِهًا، وكما قال الشيخ -رحمه الله-: كل من خالف
الصحابة والتابعين لهم بإحسان فله شُبَهٌ يتعلل بها ويُمَوِّه بها.
***
الطالب: والمقصود هنا التنبيه
على مثار الاختلاف في التفسير، وأن من أعظم أسبابه البدعَ الباطلةَ التي دعت أهلها
إلى أن حَرَّفُوا الكَلِم عن مواضعه، وفسَّرُوا كلام الله ورسوله صلى الله عليه
وسلم بغير ما أُرِيد به، وتأَوَّلُوه على غير تأويله.
فمن أصول العلم بذلك: أن
يعلم الإنسان القول الذي خالفوه وأنه الحق، وأن يعرف أن تفسير السلف يخالف تفسيرهم،
وأن يعرف أن تفسيرهم محدَث مبتدَع، ثم أن يعرف بالطرق المفصَّلة فساد تفسيرهم بما
نصبه الله من الأدلة على بيان الحق.
وكذلك وقع من الذين صَنَّفُوا في شرح الحديث
وتفسيره من المتأخِّرين من جنس ما وقع فيما صَنَّفُوه من شرح القرآن
وتفسيره.
وأما الذين يخطئون في الدليل لا في المدلول فمثل كثير من الصوفية
والوُعَّاظ والفقهاء وغيرهم؛ يفسِّرون القرآن بمعانٍ صحيحة، لكن القرآن لا يدل
عليها، مثل كثير مما ذكره أبو عبد الرحمن السُّلَمي في حقائق التفسير، وإن كان فيما
ذكروه ما هو معانٍ باطلة، فإن ذلك يدخل في القسم الأول؛ وهو الخطأ في الدليل
والمدلول جميعًا، حيث يكون المعنى الذي قصدوه فاسدًا.
تفسير القرآن بالقرآن وتفسيره بالسُّنَّةِ وأقوالِ الصحابة
00:57:56
فصلٌ في أحسن طرق التفسير؛ تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسنة
وأقوال الصحابة.
فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصحَّ الطرق
في ذلك: أن يفسَّر القرآن بالقرآن، فما أُجْمِل في مكانٍ فإنه قد فُسِّرَ في موضع
آخر، وما اخْتُصِر في مكان فقد بُسِط في موضع آخر.
فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة؛
فإنها شارحة للقرآن وموضِّحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس
الشافعي: كل ما حَكَم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن، قال
الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا [النساء: ١٠٥]، وقال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤]، وقال
تعالى: وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: ٦٤].
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»
يعني: السنة،
والسنة أيضًا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، لا أنها تُتْلَى كما
يُتْلَى.
وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلةٍ كثيرة ليس
هذا موضع ذلك.
والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجدْه فمن السنة، كما
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «بِمَ تَحْكُمُ؟»، قال: بكتاب الله، قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟»،
قال: بسنة رسول الله، قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟»، قال: أجتهد رأيي، قال: فضرب رسول
الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ
رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ» ، وهذا
الحديث في المسانيد والسنن بإسناد جيد.الشيخ:
تكلَّم بعض العلماء على هذا وضعَّفه، ولكن المؤلف يرى أن إسناده جيد، وهو الظاهر؛
لأنه يوافق القاعدة العامة في الشريعة؛ أن الإنسان يحكم بكتاب الله، فإن لم يجد
فبسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن في السنة أشياء ما فَصَّلها القرآن،
ولا تجدها ظاهرة في القرآن، فلا بد من الرجوع إلى السنة.
وأما إذا كانت لا في
هذا، ولا في هذا، فالإنسان يجتهد، ويجتهد رأيَه ليس المعنى أنه يحكم برأيه، لكن
المعنى أنه يجتهد في تطبيق الواقعة والحادثة على نصوص الكتاب والسنة.
وبهذا
يكون هذا الحديث مطابِقًا للقواعد العامة في الشريعة، الذين ضَعَّفُوه ظنوا أن
قوله:
«فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ»،
أن تكون السُّنَّة في مرتبة متأخِّرة، وظنوا أيضًا أن قوله:
أَجْتَهِدُ رَأْيِي، يعني: أحكم بالرأي، وليس كذلك.
طالب: أقول: بهذه الطريقة السنة هل تنسخ القرآن؟
الشيخ: إذا صحَّت نَسَخَت القرآن، لكن ما لها مثال، على الرغم من
أننا نقول: هذا جائز، لكن لا مثال له أبدًا، ليس هناك مثال لنسخ القرآن
بالسُّنَّة.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»، هل يدخل في هذا؟
الشيخ: المثال هذا خطأ؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال:
«إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»
،
فبَيَّن في هذا الحديث الناسخ فقط، يعني كأنه يقول: الآن الفرائض كَفَتْكُم
الوصية.
ثم لو تَنَزَّلنا تَنَزُّلًا كاملًا فهذا الحديث ما نَسَخ الآية، ولو
فرضنا أن الرسول قال:
«لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» فقط،
ما نسخ الآية، ويش الآية المنسوخة؟ ما يخالف،
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [البقرة: ١٨٠]، هذا تخصيص وليس نسخًا؛
لأن الأقربين غير الوارثين الوصية باقية فيهم، فهو تخصيص، يعني لو تَنَزَّلنا
تَنَزُّلًا كاملًا مع هؤلاء فليس بنسخ، ولكنه تخصيص، والمهم أن هذا المثال لا يصح
على أي تقدير.
***
الطالب: وحينئذٍ إذا لم تجد
التفسير في القرآن ولا في السُّنَّة رَجَعْتَ في ذلك إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أدرى
بذلك؛ لِمَا شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختَصُّوا بها، ولِمَا لهم من الفهم
التام والعلم الصحيح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم؛ كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين
والأئمة الْمَهْدِيِّين، وعبد الله بن مسعود، قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير
الطبري: حَدَّثنا أبو كريب، قال: أنبأنا جابر بن نوح، قال: أنبأنا الأعمش، عن أبي
الضحى، عن مسروق، قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود- : والذي
لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فِيمَ نزلت، وأين نزلت، ولو
أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته .الشيخ: الله أكبر، هذا فيه السفر في طلب العلم، وليس مراد ابن
مسعود رضي الله عنه بهذا أن يمدح نفسه وأن يفخر بها، لكن مراده أن يحث الناس على
تعلُّم كتاب الله عز وجل، وعلى طلب تفسيره من أهله، ولعله أيضًا يريد أن يتعلم
الناس منه تفسير كلام الله سبحانه وتعالى.
***
الطالب: وقال الأعمش أيضًا: عن
أبي وائل، عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلَّم عشر
آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن .
ومنهم الْحَبْر البحر عبد الله بن
عباس، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.طالب
آخر: قول ابن مسعود -أحسن الله إليكم- يعني أنه أكثر علمًا من ابن عباس رضي
الله عنه بكتاب الله؟
الشيخ: إي، ما فيه شك أنه أعلم
منه بكتاب الله، وأيضًا لَمَّا يقوله في ذلك الوقت ما هو قصده يفاخر.
طالب: (الْحَبْر) و(البحر) كلمتان مترادفتان؟
الشيخ: نعم، البحر؛ لكثرة علمه، والْحَبْر معناه أيضًا سعة
العلم؛ لأن الْحَبْر والبحر الشيء الواسع، ويقال: الْحَبْر، والْحِبْر بالكسر
أيضًا.
طالب: من الراجح عند شيخ الإسلام ابن تيمية أنه
رجَّح عبد الله بن مسعود في علمه عن ابن عباس، والرسول صلى الله عليه وسلم دعا لابن
عباس، فكيف نوفِّق؟
الشيخ: ما يمنع، ما قال الرسول:
اللهم اجعله أعلم الناس، قال:
«اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ
التَّأْوِيلَ» .
***
الطالب: ومنهم الْحَبْر البحر
عبد الله بن عباس، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترجمان القرآن، ببركة
دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له، حيث قال: «اللَّهُمَّ
فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»، وقال ابن جرير: حدثنا
محمد بن بشار، قال: أنبأنا وكيع، قال: أنبأنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، قال عبد
الله -يعني ابن مسعود-: نِعْمَ تَرْجُمَان القرآن ابن
عباس .
ثم رواه عن يحيي بن داود، عن إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم بن
صُبَيْح أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، أنه قال: نِعْمَ
التَّرْجُمان للقرآن ابن عباس .
ثم رواه عن
بندار، عن جعفر بن عون، عن الأعمش به كذلك ، فهذا إسنادٌ صحيح إلى ابن مسعود، أنه قال
عن ابن عباس هذه العبارة، وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح،
وعُمِّرَ بعده ابن عباس ستًّا وثلاثين سنة، فما ظَنُّكَ بما كسبه من العلوم بعد ابن
مسعود؟
وقال الأعمش، عن أبي وائل: استخلف عليٌّ عبدَ الله
بنَ عباس على الموسم، فخطب الناس، فقرأ في خطبته سورة البقرة -وفي رواية: سورة
النور- ففَسَّرَها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا .
ولهذا فإن غالب
ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين؛ ابن مسعود
وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي
أباحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «بَلِّغُوا
عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ
كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
، رواه البخاري عن
عبد الله بن عمرو.الشيخ: المعروف أن ابن مسعود لا
يأخذ عن الإسرائيليات، وإنما الذي يأخذ ابن عباس، فلا أدري هل كلام المؤلِّف -رحمه
الله- كلام يُرَاد به الجميع، أو يُرَاد به البعض.
وعلى كل حال إن شاء الله
تراجعون ترجمة عبد الله بن مسعود، هل أحد من أهل العلم قال: إنه ممن يأخذ عن بني
إسرائيل؛ لأن ابن عباس مشهور بأنه يأخذ.
***
الطالب: ولهذا كان عبد الله بن
عمرو قد أصاب يوم اليرموك زَامِلَتَيْنِ من كتب أهل الكتاب، فكان يُحَدِّث منهما
بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك. (...)
الشيخ:
إي نعم، النص، والمدلول هو الشيء الذي أُثْبِتَ بهذا النص، أو اسْتُدِلَّ له بهذا
النص، فأحيانًا يكون خطأ في الدليل والمدلول، وأحيانًا يكون خطأ في الدليل دون
المدلول، قد يكون فيهما جميعًا، وقد يكون في الدليل.طالب: إذن، أن يكون من شخص يجيب كلام (...).
***
الطالب: ولكن هذه الأحاديث
الإسرائيلية تُذْكَر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها على ثلاثة أقسام؛ أحدها: ما
عَلِمْنَا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح، والثاني: ما عَلِمْنَا
كذبه بما عندنا مما يخالفه، والثالث: ما هو مسكوت عنه؛ لا من هذا القَبِيل، ولا من
هذا القَبِيل، فلا نؤمن به ولا نُكَذِّبه، وتجوز حكايتُه لما تقدم، وغالب ذلك مما
لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني.
ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا
كثيرًا، ويأتي عن المفسِّرين خلاف لسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب
الكهف، ولون كلبهم، وعِدَّتهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي
أحياها الله تعالى لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضُرِبَ به القتيل من البقرة، ونوع
الشجرة التي كَلَّم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن
مما لا فائدة من تعيينه تعود على المكلَّفين في دنياهم ولا دينهم، ولكنَّ نَقْلَ
الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ.الشيخ: يقول: (
نقل الخلاف
عنهم في ذلك جائز)، لا على الاعتبار به، ولكن لبيان اختلافهم في هذا الأمر، وقد
يكون في نقل اختلاف أهل الكتاب في مثل هذه الأمور فائدة لنا، وهو أننا إذا كان هناك
اختلاف فإن هذا يقلِّل من الثقة مما في أيديهم، ويُعلَم أن عندهم تصرفًا وكذبًا
فيما ينقلونه.
أما أن نذكره على سبيل الاعتبار، وأنها أقاويل صحيحة مقبولة،
فهذا لا يجوز فيما لا نعلم صدقه، وكما قال الشيخ رحمه الله أنها (
ثلاثة
أقسام)، وأظن أنه مَرَّ علينا فيما سبق أن ما نحتاج إليه من النقل لا بد أن
يقوم عليه دليل، وما لا حاجة إليه فإنه لا يقوم عليه دليل؛ لأنه لا حاجة إليه، فكل
ما يحتاج العباد إلى بيانه فلا بد أن يقوم عليه دليل صحيح، ولا يمكن أن يدعه الله
عز وجل بدون دليل تطمئن له النفوس.
***
الطالب: كما قال تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف: ٢٢]، فقد اشتملت هذه الآية
الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليمِ ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى أخبر
عنهم في ثلاثة أقوال، ضَعَّف القولين الأوَّلَيْن، وسكت عن الثالث، فدَلَّ على
صحته؛ إذ لو كان باطلًا لرَدَّه كما ردَّهُما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا
طائل تحته، فيُقَال في مثل هذا: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ، فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه
الله تعالى عليه، فلهذا قال: فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا، أي: لا تُجْهِد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا
تسألهم عن ذلك؛ فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجمَ الغيب.
فهذا أحسن ما يكون في
حكاية الخلاف؛ أن تُستوعب الأقوالُ في ذلك المقام، وأن يُنَبَّه على الصحيح منها،
ويُبْطَل الباطل، وتُذْكَر فائدة الخلاف وثمرتُه؛ لئلَّا يطول النزاع والخلاف فيما
لا فائدة تحته، فيُشْتَغَلُ به عن الأهم.
فأما من حكى خلافًا في مسألة ولم
يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكي الخلاف
ويُطْلِقه ولا يُنَبِّه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضًا، فإن صَحَّحَ غير
الصحيح عامدًا فقد تعمَّد الكذب، أو جاهلًا فقد أخطأ، كذلك (...)الشيخ: أنه إذا حكى الأقوال ولم يُبَيِّن الصحيح أنه تارة يُلَام
عليه، وتارة لا يُلَام، فإن كان يعلم الصحيح ولم يُبَيِّنه فهذا قصور، وإن كان لا
يعلم -كما لو كان القولان عنده على حد سواء- فإنه لا يَلْزَم أن يُبَيِّن، وهذا يقع
حتى في كلام المؤلِّف أحيانًا في
الفتاوى وغيرها، يذكر يقول: فيه قولان لأهل
العلم، ثم يقول: هذا قول الجمهور، وهذا قول فلان، هذا قول مالك، هذا قول الشافعي،
وما أشبهه.
فالإنسان الذي يسوق الخلاف فإن من الأمانة أن ينقل جميع الأقاويل؛
لأنه كما قال الشيخ، ربما يحذف من الأقاويل ما هو أصح، ثم إذا نقل الأقاويل فإن كان
لديه حجة تُرجِّح أحد الأقوال وجب عليه أن يُبَيِّن الراجح، حتى لا يدع السامعَ في
حيرة، وإن كان لا يعلم فليس عليه بأس في أن يذكر الخلاف، ولا يُبَيِّن الراجح؛ لأن
الله لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها.
***
الطالب: كذلك من نَصَبَ الخلاف
فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالًا متعددة لفظًا، ويرجع حاصلُها إلى قول أو قولين
معنًى، فقد ضَيَّع الزمان، وتَكَثَّر بما ليس بصحيح.الشيخ: بعد هذه الآية الكريمة التي ساقها المؤلف زعم بعض الناس
أن أصحاب الكهف ليسوا سبعة وثامنهم كلبهم، وتشبَّثُوا بقوله تعالى:
قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ، وهذا لا شك أنه غلط في
تفسير الآية؛ لأن الله قال:
قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ، يعني: وقد أبطل قولين، وسكت عن الثالث.
وعلى هذا فيكون
الثالث هو الأصح؛ لأنه لو كان خلاف الأصح لبَيَّنَه الله عز وجل؛ لأن الله تعالى لا
يعلم الأمر على خلاف ما هو عليه، ثم إنه قال:
مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ، ولو كان المراد بقوله:
رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم، مع أنه لا يعلمهم أحد من الناس، لكان مناقضًا لقوله:
مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيل، فالآية بلا شك تدل على أن
أصحاب الكهف كانوا سبعة، وكان ثامنهم كلبهم.
وهنا نكتة في مسألة العدد، قال:
سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ، ولم يقل: ثمانية ثامنهم كلبهم؛
لأن الكلب من غير الجنس، وإذا كان من غير الجنس فإنه لا يدخل في العدد، ولكنه
يُجْعَل بعده، ولهذا قال الله عز وجل:
مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ، ولم يقل: من نجوى أربعة إلا هو رابعهم؛
لأنه خالِق وهم مخلوقون.
وقوله:
لا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا، فسَّرَه المؤلف -رحمه الله- بأن المعنى: لا تُجْهِد نفسك
في التعمق والجدال في عِدَّتِهم، لماذا؟ لأنه لا طائل تحته.
وهكذا يمر علينا
أحيانًا في الأحاديث إبهام الرجل صاحب القضية، أحيانًا يُبْهَم؛ قال رجل، أتى رجل،
دخل أعرابي، وما أشبه ذلك، فتجد بعض الناس يُتْعِب نفسه في تعيين ذلك الرجل، مع أنه
لا طائل تحت ذلك، فيشتغل بالمهم -إن كان مهمًّا- عن الأهم، والأولى لطالب العلم ألا
يُضَيِّع الوقت في مثل هذه الأمور التي فائدتها قليلة بالنسبة لغيرها، أو ربما أنها
لا فائدة فيها إطلاقًا.
والحاصل أن أصحاب الكهف عدتهم سبعة، وثامنهم كلبهم، وقد
مر علينا أنهم لبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعًا.
طالب: قال المؤلف: (
نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته)، ما
هو الضابط في أن يكون هذا الخلاف له طائل أو له فائدة أو من غير فائدة؟
الشيخ: مثل هذا الآن، الاختلاف في عصا موسى من أي شجرة هي،
الخلاف في الجزء الذي ضربوا به القتيل، وهكذا، هذا لا طائل تحته.
طالب: لا، الضابط هو ما تعود (...).
الشيخ: لا، ما فيه فائدة لنا، اللي ما له فائدة لنا هذا لا طائل
تحته.
***
الطالب: وتَكَثَّرَ بما ليس
بصحيح، فهو كلابس ثَوْبَيْ زور، والله الموفق للصواب.
تفسير القرآن بأقوال التابعين
01:27:35
فصلٌ في تفسير القرآن بأقوال التابعينإذا لم تجد التفسير في
القرآن، ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى
أقوال التابعين، كمجاهد بن جبر؛ فإنه آية في التفسير، كما قال محمد بن إسحاق: حدثنا
أبان بن صالح، عن مجاهد، قال:
عرضتُ المصحف على ابن عباس ثلاث
عَرْضات..الشيخ: ثلاث عرَضَات؟!
الطالب: نسكن الراء.
الشيخ: ابن مالك
ويش يقول؟
| وَالسَّالِمَ الْعَيْنِ الثُّلَاثِي اسْمًا
أَنِـــــــلْ |
إِتْبَاـــــــعَ عَيْنٍ فَـــــاءَهُ بِمَا
شُكِـــــــــــــــــلْ |
| إِنْ سَاكِــــــنَ الْعَيْنِ مُؤَنَّثًا
بَــــــــــــــدَا |
............................ |
وهذا
ينطبق عليه ولَّا لا؟ ينطبق، إذن عَرَضَات، كذا؟
| وَسَكِّـــــنِ التَّالِيَ غَيْــــرَ الْفَتْــــــحِ
أَوْ |
خَفِّفْهُ
بِالْفَتْحِ................. |
مثل: شجرة تقول:
شجْرَات ولَّا شَجَرات؟
طالب: شجَرات.
الشيخ: عرْضة، تقول فيها؟ عَرَضَات.
الطالب: عرضتُ المصحف على ابن عباس ثلاث
عَرَضَات من فاتحته إلى خاتمته، أُوقِفُهُ عند كل آية منه وأسأله عنها .
وبه إلى الترمذي
قال: حدثنا الحسين بن مهدي البصري، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال
مجاهد: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئًا .
وبه إليه قال: حدثنا
ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الأعمش، قال: قال مجاهد: لو كنتُ قرأتُ قراءة ابن مسعود لم أَحْتَجْ أن أسأل ابن عباس عن كثير
من القرآن مما سألت .
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، قال:
حدثنا طَلْق بن غَنَّام، عن عثمان المكي، عن ابن أبي مليكة، قال: رأيت مجاهدًا سأل
عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، قال ابن عباس: اكتب. حتى سأله عن التفسير كله .
ولهذا كان سفيان
الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به .
وكسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس،
وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيَّب، وأبي
العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم
ومَن بعدَهم، فتُذْكَرُ أقوالهم في الآية، فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ (...)
واحد كثير في الأماكن، فليَتَفَطَّن اللبيبُ لذلك، والله الهادي.
وقال شعبة بن
الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حُجَّة، فكيف تكون حجة في التفسير؟
يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا اجتمعوا على الشيء
فلا يُرْتَاب في كونه حجةً، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجةً على بعض، ولا على
مَن بعدَهم، ويُرْجَع في ذلك إلى لغة القرآن أو السُّنَّة أو عموم..